عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

59

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

إلى الآخر ، إنما عدل عن الأشد الأصعب إلى الأهون الأسهل . وكفى بك داء أن ترى الموت شافيا وسبب عجزهم عن ذلك : هو أن نظم القرآن على غاية البلاغة وكمال الفصاحة ونهاية الجزالة ، وهذه الأشياء الثلاثة إذا استجمعت في نظم كان لا محالة معجزة للخلق . لا سيما إن وجد فيه طلاقة الوحي ، فالنظم مطلق التركيب ، وقد يكون ركيكا ، ويكون رفيعا ، ولهذا يقال : نريد الآلىء في النظام لازدواجها ثم للنظم درجات ؛ أولها : كلام البذلة في المحاورات وفوقه المكاتبات والمرسلات ، وفوقه الخطب والمواعظ ، والأمثال والمزدوج ، وفوق ذلك نظم الشعر ، وليس للعرب فوقها درجة للنظم البتة ، فإذا اجتمعت الفصاحة والجزالة والنظم أطلق عليها اللفظ البلاغة ؛ لأن للكلام بها درجة الكمال ، وتحقيق هذا الكلام أن تعلم أن الفصاحة : دلالة اللفظ على المعنى مع الإفصاح والإيضاح ، والجزالة : دلالة اللفظ على المعنى مع قلة الحروف والاختصار وتناسب مخارجها ، فإذا اجتمع المعنيان يقال له لفظ فصيح جزل ، كقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 179 ] . والنظم : ترتب الأقوال بعضها على بعض ، ويكون الحس فيه على قدر تناسب الكلمات في أوزانها وأوزان حركاتها وسكناتها ودلالتها على المعنى . والبلاغة : عبارة عن اجتماع هذه المعاني الثلاثة ؛ أعني الفصاحة والجزالة والنظم ، فبذلك بلوغ الكمال وبه فاق القرآن على كلام العرب كما فاقت العرب على سائر الألسن ، وعجز العرب عن الإتيان بمثله كما عجز العجم عن نظم الشعر ، فالقرآن معجز من حيث البلاغة التي هي مجموع هذه المعاني الثلاثة ، والعرب قد أحست من نفسها أن القرآن خارج من حيث البلاغة عن جنس كلامهم جملة ، كما أن سحرة فرعون أحسوا من أنفسهم أن إحياء الموتى ليس من جنس الطب ، وجاء في الأخبار أن وليد بن المغيرة المخزومي جاء إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فسمع منه حم [ فصّلت : 1 ] السجدة ، فرجع إلى قريش وكان هو من أفصحهم وأبلغهم ، فقال : أيها القوم إني عارضت كلام محمد بالرجز والمديد والسريع ، وسائر النظم فما أره بشيء منها ، وإن في كلامه حلاوة وعليه طلاوة وإن أعلاه لمغدق وإن أسفله لمعدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى . وما أراه بكلام البشر ، فقال له أبو لهب : لقد صبئت فأفسدت قريشا بهذا القول فارجع عنه ، فقال : إنه سحر يؤثر .